تقرير _ العزوف عن متابعة الأخبار في السودان..تراجيديا الصراع

السودان،الأخبار ،حرب السودان

 

تقرير _ العزوف عن متابعة الأخبار في السودان..تراجيديا الصراع

سيل المآسي يطرد الجمهور من الأخبار

السودانيون بين حق المعرفة وعبء المتابعة

مرتضى شطة: لا تغتالوا الأمل بالتغطية

تقرير: إسماعيل شريف

لم يعد الابتعاد عن متابعة الأخبار سلوكاً فردياً أو حالة استثنائية، بل تحول إلى ظاهرة عالمية آخذة في الاتساع. ففي الوقت الذي تتيح فيه التكنولوجيا الوصول الفوري إلى المعلومات يختار ملايين الأشخاص حول العالم تقليل متابعتهم للأخبار أو الانقطاع عنها بالكامل والتحول الى متابعة محتويات اخرى هرباً من الضغوط النفسية التي تفرضها دورة الأخبار المتسارعة والمشحونة بالأزمات.
وأظهر تقرير الأخبار الرقمية لعام 2025 الصادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة بجامعة أكسفورد أن 40% من المستطلعة آراؤهم في 48 دولة قالوا إنهم يتجنبون الأخبار أحياناً أو بشكل متكرر مقارنة بـ29% فقط عام 2017، وهو أعلى معدل يسجله التقرير منذ بدء قياس الظاهرة. وتصدرت التأثيرات النفسية أسباب العزوف، إذ أشار 39% من المشاركين إلى أن الأخبار تؤثر سلباً على حالتهم المزاجية، فيما قال 31% إنهم يشعرون بالإرهاق بسبب كثافة الأخبار وتدفقها المستمر، بينما أرجع 30% عزوفهم إلى التركيز المفرط على الحروب والصراعات.

ويفرق الباحثون بين نوعين من المتابعين الذين يبتعدون عن الأخبار النوع الأول يضم أشخاصاً محدودي الاهتمام بالشأن العام أصلاً، والثاني يضم أفراداً يتابعون الأخبار بصورة منتظمة لكنهم يلجأون إلى الانقطاع المؤقت لحماية صحتهم النفسية من الضغوط المتراكمة.

السودان..حرب لا تنتهي

إذا كانت الحروب والصراعات أحد أبرز أسباب العزوف عن الأخبار عالمياً فإن السودان يمثل نموذجاً استثنائياً لهذه الظاهرةفمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023 يعيش السودانيون تحت سيل متواصل من الأخبار المتعلقة بالقتل والنزوح وانهيار الخدمات والأزمات الإنسانية.
وتصف الأمم المتحدة الأزمة السودانية بأنها من أسوأ الكوارث الإنسانية في العالم، حيث تجاوز عدد النازحين واللاجئين 15 مليون شخص خلال سنوات الحرب، فيما يحتاج ملايين المواطنين إلى مساعدات إنسانية عاجلة.
كما أعلن مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان أن أكثر من ألف مدني قتلوا في هجمات بالطائرات المسيّرة خلال الأشهر الخمسة الأولى من عام 2026 وحده، وسط تصاعد غير مسبوق للعنف واستهداف البنية التحتية المدنية.
وفي مدينة الأبيض على سبيل المثال حذرت دول غربية ومنظمات أممية مؤخراً من مخاطر وقوع انتهاكات واسعة النطاق مع استمرار العمليات العسكرية بينما يعيش مئات الآلاف من المدنيين تحت تهديد مباشر.

الإرهاق النفسي و”تخدير المشاعر”

يرى مختصون في الإعلام وعلم النفس أن التعرض المستمر للأخبار السلبية قد يؤدي إلى ما يعرف بـ”إرهاق التعاطف” أو “التبلد العاطفي”، حيث يفقد الفرد تدريجياً قدرته على التفاعل مع الأحداث بسبب كثرتها وتكرارها.
وفي الحالة السودانية يتلقى المواطن يومياً أخباراً عن المعارك والضحايا والنزوح وانقطاع الكهرباء والمياه وارتفاع الأسعار، الأمر الذي يدفع كثيرين إلى تقليل متابعتهم للأخبار أو الاكتفاء بالعناوين الرئيسية فقط.
كما أن الانتشار الواسع لمقاطع الفيديو العنيفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي أسهم في زيادة الضغوط النفسية، خاصة مع غياب الفاصل بين الحياة اليومية ومشاهد الحرب التي تصل إلى الهواتف المحمولة بشكل مباشر.

من متابعة الأخبار إلى الهروب منها
المفارقة أن الحاجة إلى المعلومات تزداد في أوقات الأزمات لكن القدرة النفسية على استيعابها تتراجع. ولذلك أصبح بعض السودانيين يفضلون الابتعاد المؤقت عن نشرات الأخبار وصفحات الأحداث، ليس بسبب اللامبالاة، وإنما لحماية صحتهم النفسية والحفاظ على قدر من التوازن في حياتهم اليومية.
وتشير الاتجاهات العالمية الحديثة إلى أن الجمهور بات يفضل الصحافة التي تقدم تفسيراً وتحليلاً وحلولاً عملية بدلاً من الاكتفاء بسرد الوقائع السلبية،كما يزداد الطلب على القصص الإنسانية وقصص النجاح والمبادرات المجتمعية التي تمنح الجمهور شعوراً بالأمل وسط الأزمات.

تحديات أمام الإعلام السوداني

أمام هذا الواقع يواجه الإعلام السوداني تحدياً مزدوجاً مابين الاستمرار في نقل الحقيقة وتوثيق المأساة من جهة وتجنب إغراق الجمهور في دوامة مستمرة من الأخبار السلبية من جهة أخرى.
فالجمهور لا يحتاج فقط إلى معرفة حجم الكارثة بل يحتاج أيضاً إلى معرفة أين تكمن فرص النجاة وكيف تتشكل مبادرات الصمود المجتمعي وما هي القصص التي تؤكد أن الحياة لا تزال مستمرة رغم الحرب.
وفي ظل تزايد معدلات العزوف عن الأخبار عالمياً تبدو هذه المهمة أكثر إلحاحاً بالنسبة للسودان حيث لم تعد المعركة على الأرض وحدها بل أصبحت أيضاً معركة للحفاظ على قدرة الناس على الاستماع والمتابعة دون أن يفقدوا الأمل.
وفي هذا السياق، أشار الأستاذ مرتضى شطة أمين التدريب بالاتحاد العام للصحفيين السودانيين خلال مشاركته في أعمال الملتقى الإقليمي لبناء القدرات الإعلامية حول سرديات الهجرة المعززة بالحقائق والفرص المحلية إلى أهمية تحقيق التوازن في التغطية الإعلامية لقضايا الهجرة والأزمات الإنسانية موضحاً أن التركيز المستمر على المآسي والخسائر وحدها قد يؤدي إلى تكوين صورة ذهنية قاتمة لدى الجمهور ويضعف الثقة في إمكانية التغيير أو إيجاد حلول واقعية للمشكلات.
وأضاف أن الصحافة المهنية مطالبة بنقل الحقائق كاملة بما في ذلك التحديات والمخاطر ولكن دون إغفال قصص النجاح والفرص المتاحة والمبادرات المجتمعية التي تعزز الصمود والأمل مشيراً إلى أن غياب هذا التوازن قد يدفع بعض الأفراد إلى اتخاذ قرارات مصيرية مثل الهجرة استناداً إلى الانطباعات والانفعالات أكثر من استنادها إلى معلومات دقيقة وشاملة.
وتتسق هذه الرؤية مع ما خلص إليه تقرير معهد رويترز للأخبار الرقمية الذي أظهر تزايد معدلات عزوف الجمهور عن متابعة الأخبار بسبب الإرهاق النفسي الناتج عن التركيز المستمر على الحروب والكوارث والأزمات الأمر الذي يفرض على المؤسسات الإعلامية مراجعة أساليب التغطية بما يحافظ على حق الجمهور في المعرفة دون أن يفقده الأمل في المستقبل.

مدير الموقع

مدير الموقع

المقالات: 216
الرئيسية
عاجل
فيسبوك
واتساب
يوتيوب