الجنيه السوداني يغرق… والدولة تراقب المشهد

 

الجنيه السوداني يغرق… والدولة تراقب المشهد

حرب تستنزف الاقتصاد وعملة وطنية تدفع الثمن

اسماعيل شريف

لم يعد تراجع الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية مجرد خبر اقتصادي عابر، بل تحول إلى عنوان يومي للأزمة العميقة التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب. فمع كل انخفاض جديد في قيمة العملة الوطنية، تتراجع القدرة الشرائية للمواطن، وتتسع دائرة الفقر، وتتآكل المدخرات، بينما تبدو الدولة عاجزة عن تقديم حلول حقيقية توقف هذا الانهيار المتسارع.
ما يحدث اليوم للجنيه السوداني ليس مجرد أزمة نقدية أو خلل مؤقت في سوق الصرف، وإنما انعكاس مباشر لانهيار أجزاء واسعة من المنظومة الاقتصادية للدولة. فالحرب التي دخلت عامها الرابع لم تكتف بحصد الأرواح وتدمير البنية التحتية، بل وجهت ضربة قاصمة لمصادر الإنتاج والإيرادات والصادرات، وهي الركائز الأساسية التي تستند إليها أي عملة وطنية.
قبل الحرب كان السودان يعاني أصلاً من اختلالات اقتصادية مزمنة، لكن استمرار الصراع ضاعف حجم الأزمة بصورة غير مسبوقة. فقد توقفت آلاف المنشآت الاقتصادية، وتعطلت المصانع، وتراجعت الأنشطة التجارية، فيما خرجت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية عن دائرة الإنتاج. كما تضررت حركة الصادرات والواردات وارتفعت تكاليف النقل والتأمين، الأمر الذي أدى إلى تراجع تدفق العملات الأجنبية إلى البلاد.
وفي المقابل، ظلت احتياجات الدولة المالية تتزايد بشكل مستمر. فالحرب تفرض نفقات ضخمة لتوفير العتاد العسكري والذخائر والعمليات اللوجستية، إلى جانب الالتزامات الحكومية الأخرى المتعلقة بالأجور والخدمات الأساسية. ومع تراجع الإيرادات العامة، تجد الدولة نفسها أمام خيارين أحلاهما مر؛ إما الاستدانة أو التوسع في طباعة النقود، وكلاهما يؤدي في النهاية إلى زيادة الضغوط على العملة الوطنية.
الواقع أن قيمة أي عملة لا تحددها القرارات الإدارية أو التصريحات الرسمية، وإنما تحددها قوة الاقتصاد الذي يقف خلفها. وعندما يتراجع الإنتاج وتختفي الاستثمارات وتتقلص الصادرات، يصبح من الطبيعي أن يفقد الجنيه جزءاً كبيراً من قيمته. لذلك فإن الإجراءات التي تركز على ملاحقة تجار العملات أو فرض قيود على التحويلات تظل حلولاً جزئية لا تمس جوهر المشكلة.
جانب آخر لا يقل أهمية يتمثل في الديون التي أفرزتها سنوات الحرب. فبالرغم من غياب أرقام رسمية دقيقة حول حجم الالتزامات المالية الجديدة، فإن المؤكد أن تكلفة العمليات العسكرية استنزفت موارد ضخمة وأوجدت أعباء مالية ستظل تلاحق الاقتصاد السوداني لسنوات طويلة. ويأتي ذلك فوق إرث ثقيل من الديون الخارجية التي تراكمت على السودان عبر عقود متتالية.
الضحية الأولى لهذا التدهور هي الأسرة السودانية. فكلما انخفضت قيمة الجنيه ارتفعت أسعار الغذاء والدواء والوقود والمواصلات والإيجارات. وأصبح المواطن الذي كان راتبه يكفيه بالكاد قبل سنوات عاجزاً اليوم عن تغطية احتياجاته الأساسية. أما السودانيون المقيمون خارج البلاد، فيواجهون بدورهم تحديات متزايدة نتيجة تآكل قيمة مدخراتهم وتحويلاتهم المالية لأسرهم في الداخل.
الأخطر من ذلك أن استمرار فقدان الثقة في العملة الوطنية يدفع قطاعات واسعة من المواطنين إلى البحث عن ملاذات آمنة لحفظ القيمة، سواء عبر العملات الأجنبية أو الذهب أو العقارات، وهو ما يزيد من الضغوط على الجنيه ويدخل الاقتصاد في دائرة مفرغة من التدهور المستمر.
إن إنقاذ الجنيه السوداني لن يتحقق عبر القرارات النقدية وحدها، بل يتطلب معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة. وفي مقدمة هذه الأسباب تأتي ضرورة إنهاء الحرب، وإعادة تشغيل عجلة الإنتاج، واستعادة الثقة في النظام المصرفي، وتشجيع الصادرات، ومحاربة تهريب الذهب والموارد الطبيعية، إضافة إلى ضبط الإنفاق العام والحد من الاعتماد على التمويل بالعجز.
لقد أصبح الجنيه السوداني اليوم مرآة تعكس واقع الدولة بكل تعقيداته وأزماته. وكل يوم يمر دون حلول جذرية يعني مزيداً من التراجع في قيمة العملة، ومزيداً من المعاناة للمواطن، ومزيداً من الصعوبات أمام أي محاولة مستقبلية لإعادة بناء الاقتصاد.
ويبقى السؤال الذي ينتظر السودانيون إجابته هل تمتلك الدولة الإرادة والقدرة على إنقاذ عملتها الوطنية قبل أن تصل إلى نقطة اللاعودة، أم أن الجنيه سيواصل رحلة الغرق فيما يكتفي الجميع بالمراقبة؟

مدير الموقع

مدير الموقع

المقالات: 216
الرئيسية
عاجل
فيسبوك
واتساب
يوتيوب