إسماعيل شريف يكتب : حضن واسع… ورحم ولود
إسماعيل شريف
في الحروب، لا تكون المفارقات مجرد تفاصيل عابرة، بل تتحول إلى أسئلة أخلاقية وسياسية كبرى تلاحق الدول والمجتمعات لسنوات طويلة. ومن أكثر المفارقات إثارة للجدل في المشهد السوداني الراهن، ذلك المشهد الذي ظهرت فيه الخرطوم وهي تستقبل بعض القيادات الميدانية البارزة في قوات الدعم السريع، رغم الاتهامات الثقيلة التي تطارد هذه القوات بارتكاب انتهاكات وجرائم ضد الإنسانية خلال الحرب الأخيرة.
لقد أثار استقبال القائد الميداني المعروف بـ”النور القبة”، ثم لاحقاً القائد “السافنا”، عاصفة من التساؤلات داخل الشارع السوداني، خاصة وأن الخطاب الرسمي برر هذه العودة تحت شعار: “حضن الوطن “. وهو شعار يحمل في ظاهره نزعة تصالحية مطلوبة في المجتمعات الخارجة من الحروب، لكنه في المقابل يفتح الباب واسعاً أمام تساؤلات العدالة، والمحاسبة، والمساواة أمام القانون.
المشهد الأكثر إثارة للرمزية كان الصورة الشهيرة التي جمعت رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان وهو يعانق النور القبة في دنقلا، في لحظة حملت رسائل سياسية تتجاوز مجرد الاستقبال الشخصي. بالنسبة للبعض، كانت الصورة تعبيراً عن محاولة تفكيك قوات الدعم السريع عبر استقطاب قادتها الميدانيين وإعادة دمجهم داخل الدولة. لكن بالنسبة لآخرين، بدت الصورة وكأنها رسالة قاسية لأسر الضحايا الذين فقدوا أبناءهم ومنازلهم في هذه الحرب.
المفارقة لا تتوقف هنا. فقبل اندلاع الحرب، كان البرهان نفسه قد صرح أكثر من مرة بأن قوات الدعم السريع “خرجت من رحم الجيش”. وهي العبارة ذاتها التي استخدمها الرئيس السابق عمر حسن أحمد البشير عندما تحدث عن قوات الدفاع الشعبي، مؤكداً أنها أيضاً خرجت من رحم المؤسسة العسكرية. وكأن التاريخ السوداني يعيد إنتاج نفسه بصورة متكررة؛ تنظيمات مسلحة تنشأ داخل عباءة الدولة، ثم تكبر تدريجياً حتى تتحول إلى مراكز قوة مستقلة، قبل أن تدخل لاحقاً في صراع مع ذات المؤسسة التي أنشأتها.
وإذا عدنا إلى جذور الأزمة السودانية الحديثة، سنجد أن الأمر ليس جديداً على تاريخ البلاد السياسي والعسكري. فالحركة الشعبية لتحرير السودان، التي قادت لاحقاً إلى انفصال جنوب السودان، كانت بدايتها تمرداً داخل المؤسسة العسكرية نفسها، حين تمردت حامية توريت بقيادة العقيد جون قرنق ديمبيور. ذلك التمرد الذي بدأ كأزمة داخل الجيش، تطور مع السنوات إلى واحدة من أطول الحروب الأهلية في إفريقيا، وانتهى بولادة دولة جديدة وانفصال جزء عزيز من الوطن الأم. وهي تجربة تكشف بوضوح كيف يمكن للصراعات غير المعالجة داخل المؤسسات العسكرية أن تتحول إلى أزمات وجودية تهدد وحدة الدولة نفسها.
وهنا يبرز السؤال الأخطر: لماذا يبدو هذا “الرحم” العسكري ولوداً باستمرار لقوى تتمرد لاحقاً على الدولة أو تدخل معها في صدام دموي؟
الإجابة لا ترتبط فقط بالأشخاص، وإنما بطبيعة الدولة السودانية نفسها، وبطريقة إدارة القوة المسلحة خارج الأطر المهنية التقليدية. فمنذ عقود، اعتمدت الحكومات المتعاقبة على إنشاء تشكيلات موازية للجيش لمواجهة تحديات أمنية وسياسية مختلفة، بدءاً من المليشيات القبلية، مروراً بالدفاع الشعبي، وصولاً إلى الدعم السريع. وفي كل مرة، كانت السلطة تعتقد أنها تصنع أداة طيعة لحماية النظام أو سد فجوات المؤسسة العسكرية، لكنها كانت في الحقيقة تضع بذور أزمة مستقبلية أكثر تعقيداً.
وفي خضم هذا المشهد، تبدو العدالة الانتقائية واحدة من أكثر القضايا حساسية. فبينما يتم استقبال بعض القادة الميدانيين وفتح أبواب التسويات أمامهم، يواجه كثير من صغار المتهمين أو المدنيين اتهامات صارمة تحت طائلة “التعاون مع الدعم السريع”، وصلت في بعض الحالات إلى أحكام بالإعدام أو السجن الطويل. وهذا التفاوت يخلق شعوراً عاماً بأن القانون يطبق على الضعفاء وحدهم، بينما تمنح السياسة مظلات حماية للأقوياء.
لا أحد يرفض مبدأ المصالحات الوطنية إذا كانت مدخلاً حقيقياً لإيقاف الحرب وحماية ما تبقى من السودان. لكن أي تسوية لا تستند إلى معايير واضحة للعدالة والمحاسبة قد تتحول إلى مجرد إعادة تدوير للأزمة، لا إلى حل جذري لها. فالشعوب التي تخرج من الحروب تحتاج إلى سلام عادل، لا إلى هدنة مؤقتة تؤجل الانفجار القادم.
إن السودان اليوم لا يواجه فقط أزمة حرب، بل يواجه أزمة دولة ظلت لعقود تنتج السلاح أكثر مما تنتج المؤسسات، وتفتح أبواب القوة خارج إطار القانون، ثم تجد نفسها لاحقاً عاجزة عن السيطرة على ما أنجبته.








