هل تُحجب النتائج… أم تنتصر الدولة لأبنائها؟
إسماعيل شريف
منذ ساعات، تتردد في الأوساط التعليمية السودانية بمدينة أسوان أنباء تتحدث عن احتمال حجب نتائج بعض طلاب مركز امتحانات الشهادة المتوسطة، بدعوى عدم سداد رسوم الامتحانات. وحتى اللحظة، لم يصدر ما يؤكد هذه الأنباء أو ينفيها بصورة قاطعة، لكن مجرد تداولها كان كافيًا ليزرع القلق في نفوس آلاف الطلاب وأسرهم.
ليس لأنهم يخشون الرسوم، وإنما لأنهم يخشون أن تضيع ثمرة عام كامل من الاجتهاد، بعد رحلة شاقة فرضتها الحرب والنزوح واللجوء.
هؤلاء الطلاب لم يذهبوا إلى الامتحانات في ظروف عادية. خرجوا من وطنهم مكرهين، وحملوا كتبهم في رحلة نجاة قبل أن تكون رحلة تعليم. درسوا في ظروف استثنائية، وواجهوا من التحديات ما يكفي لأن يصبح مجرد وصولهم إلى قاعات الامتحان إنجازًا يستحق التقدير.
ولم يكن نجاح الامتحانات في أسوان وليد جهد جهة واحدة. فقد أسهمت منظمات إنسانية في تغطية جانب مهم من الرسوم والالتزامات، وسخرت الحكومة المصرية ومحافظة أسوان إمكاناتهما لتوفير بيئة آمنة ومستقرة لأداء الامتحانات. كما بذل المعلمون والإداريون وأولياء الأمور جهودًا كبيرة حتى لا يُحرم هؤلاء الطلاب من حقهم في التعليم.
فهل يُعقل أن تنتهي كل هذه الجهود بحجب نتيجة طالب ينتظرها منذ أشهر؟
إن الرسوم المالية، مهما كانت مشروعيتها، تظل التزامًا إداريًا يمكن معالجته بوسائل عديدة، أما النتيجة فهي حق أكاديمي يعبر عن مستوى الطالب العلمي، ولا ينبغي أن تتحول إلى وسيلة ضغط أو عقوبة جماعية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان وأبناؤه.
إن الدولة تُقاس، في أوقات الأزمات، بقدرتها على حماية مواطنيها، لا بقدرتها على تحصيل الرسوم منهم. وأجمل رسالة يمكن أن تبعثها وزارة التربية والتعليم اليوم هي أن تقول لهؤلاء الطلاب: لقد اجتزتم الامتحان، وهذا حصاد جهدكم، أما أي التزامات إدارية أو مالية فلها معالجات أخرى لا يكون الطالب ضحيتها.
السودان اليوم يحتاج إلى كل طالب، وكل معلم، وكل قصة نجاح. وليس من الحكمة أن يُضاف إلى آثار الحرب أثرٌ جديد يصيب ثقة الطلاب في مؤسساتهم التعليمية.
وقبل ساعات من إعلان النتيجة، يبقى الأمل أن تنتصر الحكمة، وأن تنتصر التربية قبل الرسوم، وأن يكون هذا اليوم يوم فرح للطلاب وأسرهم، لا يوم قلق جديد.
فالأوطان لا تُبنى بتحصيل الرسوم وحده، وإنما تُبنى أولًا بحماية حق أبنائها في التعليم، وصون كرامتهم، والاحتفاء بإنجازهم رغم كل ما مروا به.








