إسماعيل شريف يكتب : إمتحانات دارفور وكردفان… بين حق الطلاب وصراع الشرعيات

 

إسماعيل شريف يكتب : إمتحانات دارفور وكردفان… بين حق الطلاب وصراع الشرعيات

إسماعيل شريف

“يتنافس عشرات الآلاف من طلاب دارفور وكردفان على الجلوس لامتحانات الشهادة الثانوية بعد حرمان استمر لعدة سنوات بسبب الحرب، في واحدة من أكثر القضايا التعليمية والإنسانية إثارة للجدل منذ اندلاع الصراع.” وقد تحولت الشهادة الثانوية من استحقاق أكاديمي سنوي إلى قضية سياسية وقانونية وإنسانية معقدة، تعكس حجم الانقسام الذي أصاب مؤسسات الدولة السودانية.
فالجدل الدائر حول إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في دارفور وكردفان لا يتعلق بورقة أسئلة أو قاعات امتحان فحسب، وإنما يطرح أسئلة أعمق تتعلق بحقوق الطلاب، ووحدة النظام التعليمي، ومستقبل الاعتراف بالشهادات، وحدود الشرعية في زمن الحرب.
من الناحية الإنسانية، يصعب تجاهل معاناة آلاف الطلاب الذين وجدوا أنفسهم ضحايا لصراع لم يختاروه. فهؤلاء الشباب عاشوا سنوات من النزوح واللجوء وانقطاع الدراسة وفقدان الاستقرار النفسي والاجتماعي. بعضهم فقد منزله، وبعضهم فقد أحد أفراد أسرته، وآخرون تنقلوا بين المدن والمعسكرات ومراكز الإيواء. ولذلك يبدو طبيعياً أن تتعالى الأصوات المطالبة بعدم حرمانهم من حقهم في مواصلة تعليمهم بسبب ظروف الحرب.

فالتعليم ليس امتيازاً تمنحه السلطة متى شاءت وتسحبه متى شاءت، بل هو حق أساسي من حقوق الإنسان، وحرمان جيل كامل من فرصته التعليمية قد يترك آثاراً أخطر من آثار الحرب نفسها.
لكن القضية لا تقف عند الجانب الإنساني وحده.
أكاديمياً، تقوم قيمة الشهادة الثانوية على وحدة المنهج، ووحدة الامتحان، ووحدة الجهة المانحة للشهادة. فالشهادة ليست مجرد امتحان يؤديه الطالب، وإنما منظومة متكاملة تضمن العدالة وتكافؤ الفرص والاعتراف الوطني والدولي بالمؤهل العلمي.
وهنا تبرز المخاوف الحقيقية من أن يؤدي الانقسام السياسي والعسكري إلى انقسام تعليمي يهدد وحدة الشهادة السودانية نفسها. فإذا تعددت الجهات المنظمة للامتحانات وتعددت الشهادات الصادرة، فقد يجد الطلاب أنفسهم بعد سنوات أمام إشكالات تتعلق بالاعتراف الأكاديمي والقبول الجامعي وسوق العمل.

أما من الناحية القانونية، فإن الجدل يصبح أكثر تعقيداً.
الحكومة في الخرطوم تتمسك بحقها الحصري في تنظيم واعتماد الشهادة السودانية باعتبارها الحكومة المعترف بها دولياً. وفي المقابل ترى السلطات القائمة في مناطق أخرى أنها تتحمل مسؤولية توفير الخدمات التعليمية للمواطنين الواقعين تحت سيطرتها، وأن ترك الطلاب دون امتحانات لسنوات متتالية أمر لا يمكن تبريره.
وبين هذين الموقفين القانونيين يقف الطالب حائراً، لا يملك ترف الخوض في معارك الشرعية والاعتراف، بقدر ما يبحث عن فرصة لمواصلة تعليمه وبناء مستقبله.

لكن ربما تكون الزاوية السياسية هي الأكثر حساسية في هذه القضية.
فالامتحانات في أوقات الحروب ليست شأناً تعليمياً خالصاً. فالجهة التي تنظم الامتحانات وتصدر الشهادات وتدير المدارس تمارس عملياً إحدى أهم وظائف الدولة. ولهذا ينظر كثيرون إلى معركة الامتحانات باعتبارها جزءاً من معركة أوسع حول الشرعية والسيطرة والنفوذ.
غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في أن الجميع يتحدثون باسم الطلاب، بينما يظل الطلاب أنفسهم أكبر الخاسرين من استمرار هذا الجدل.
فالحروب تنتهي عادة باتفاقات سياسية، أما السنوات الدراسية الضائعة فلا يمكن استعادتها بسهولة. وإذا كان السياسيون والعسكريون قادرين على تأجيل خلافاتهم أو إعادة ترتيب مواقعهم، فإن الطالب الذي يفقد عاماً دراسياً أو اثنين أو ثلاثة من عمره لا يستطيع استرجاع الزمن الذي مضى.
لهذا فإن المطلوب اليوم ليس تسجيل نقاط سياسية لهذا الطرف أو ذاك، وإنما البحث عن حل وطني يضمن حق جميع الطلاب في دارفور وكردفان وسائر أنحاء السودان في الجلوس لامتحانات معترف بها، تحفظ مستقبلهم الأكاديمي وتصون وحدة النظام التعليمي السوداني.
فالسؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس من يملك حق تنظيم الامتحان، بل كيف نحمي جيلاً كاملاً من أن يصبح ضحية جديدة لهذه الحرب.
وحين يكتب التاريخ فصول هذه المأساة، فلن يتذكر كثيراً من انتصر في معركة البيانات والتصريحات، لكنه سيتذكر بالتأكيد من أنقذ أبناء السودان من الضياع، ومن وضع مصلحة الطلاب فوق حسابات السياسة والحرب.

مدير الموقع

مدير الموقع

المقالات: 216
الرئيسية
عاجل
فيسبوك
واتساب
يوتيوب