أديس أبابا.. عندما يهزم الإقصاء فرص السلام
إسماعيل شريف
فشلت اجتماعات أديس أبابا قبل أن تبدأ فعلياً، ليس بسبب خلاف على المقاعد أو أسماء المدعوين، وإنما بسبب مرض سياسي مزمن أصاب النخبة السودانية لعقود طويلة فكل طرف يريد سوداناً على مقاسه، وحواراً مع أنصاره، وسلاماً يستثني خصومه.
في السودان لا أحد يؤمن بالحوار الكامل. الجميع يتحدث عن الشمولية، لكن عند أول اختبار حقيقي تبدأ قوائم الاستبعاد.
قوى “صمود” تريد حواراً واسعاً بلا المؤتمر الوطني.
الكتلة الديمقراطية تريد حواراً واسعاً بلا “تأسيس”.
“تأسيس” تريد حواراً واسعاً بلا الكتلة الديمقراطية والمؤتمر الوطني.
عبد الواحد محمد نور يقبل الجميع إلا المؤتمر الوطني.
والجيش يطرح حواراً سودانياً سودانياً مع استبعاد من تلطخت أيديهم بدماء السودانيين.
وكأن المشكلة في السودان هي نقص الاستثناءات لا نقص السلام.
السؤال الذي يهرب منه الجميع هو من الذي لم تتلطخ يداه بدماء السودانيين؟
هل هناك قوة سياسية أو عسكرية كبيرة تستطيع أن تزعم امتلاك شهادة براءة كاملة من تاريخ السودان المضطرب؟
منذ الاستقلال عاشت البلاد انقلابات وحروباً أهلية وصراعات مسلحة ومواجهات قبلية وقمعاً سياسياً وانتهاكات متبادلة. الجميع تقريباً شارك بشكل مباشر أو غير مباشر في صناعة الأزمة التي أوصلت السودان إلى هذه اللحظة الكارثية.
لهذا يبدو الحديث عن فرز الملائكة من الشياطين أقرب إلى الخطاب الدعائي منه إلى السياسة الواقعية.
اللافت أن كثيراً من الأطراف التي ترفع اليوم راية الاستبعاد هي نفسها نتاج لتسويات سابقة قامت على استيعاب خصوم الأمس.
الدولة السودانية استقبلت قادة تمرد سابقين وأدخلتهم القصر الجمهوري ومجلس الوزراء والمؤسسات العسكرية. وقوى سياسية عديدة تحالفت مع خصوم كانت تصفهم بالخونة أو المجرمين قبل سنوات قليلة. والحركات المسلحة نفسها وقعت اتفاقات مع حكومات كانت تحمل السلاح ضدها.
في السودان لا توجد خصومات دائمة ولا تحالفات دائمة، بل مصالح متغيرة وخطابات متناقضة.
المفارقة الأكبر أن كل طرف يطالب الآخرين بالاعتراف بوجوده بينما يرفض الاعتراف بوجود خصومه.
من يطالب بإقصاء المؤتمر الوطني يعرف جيداً أن الحزب ما زال يمتلك قواعد اجتماعية وتنظيمية وشبكات نفوذ داخل قطاعات واسعة من المجتمع والدولة.
ومن يتجاهل قوات الدعم السريع يعرف أنها ما زالت طرفاً رئيسياً في الحرب وتسيطر على مساحات واسعة من الأرض.
ومن يقلل من وزن “صمود” يدرك تأثيرها السياسي والإعلامي وعلاقاتها الخارجية.
ومن ينكر حضور “تأسيس” يعلم حجم نفوذها داخل بيئات اجتماعية محددة وتحالفاتها الإقليمية والمحلية.
ومن يتحدث عن السودان وكأن عبد الواحد محمد نور أو عبد العزيز الحلو مجرد أسماء على الورق يتجاهل حقيقة السيطرة الفعلية التي تمارسها حركاتهما على مناطق منذ سنوات طويلة.
الحقائق لا تختفي بالإنكار.
والأطراف لا تتبخر لأن خصومها يرفضون دعوتها إلى الاجتماع.
لقد أثبتت التجربة السودانية أن اتفاقات الاستبعاد تنتج حروباً جديدة أكثر مما تنتج سلاماً دائماً.
نيفاشا استبعدت أطرافاً.
وجوبا استبعدت أطرافاً.
والمرحلة الانتقالية نفسها استبعدت المؤتمر الوطني وقامت على تفاهمات ناقصة.
والنتيجة كانت سلسلة متصلة من الأزمات انتهت إلى الحرب الحالية التي تدفع البلاد ثمنها يومياً.
المؤسف أن النخب السودانية ما زالت تتصرف وكأن المشكلة في السودان هي وجود الخصوم، لا غياب المشروع الوطني.
كل فريق يتعامل مع السياسة باعتبارها معركة إلغاء لا عملية إدارة اختلاف.
وكل طرف يعتقد أن السلام يمكن أن يولد من رحم الإقصاء.
لكن الحقيقة البسيطة التي أثبتتها تجارب العالم كلها هي أن الحروب تنتهي عندما يجلس الأعداء معاً، لا عندما يجلس الأصدقاء وحدهم.
أما الاجتماعات التي يحضرها المتفقون سلفاً فلا تصنع سلاماً، بل تنتج بيانات سياسية جديدة فقط.
لقد كشفت أديس أبابا حقيقة مؤلمة وهي ان الأزمة السودانية ليست أزمة سلاح فحسب، بل أزمة عقل سياسي ما زال عاجزاً عن قبول الآخر.
ولهذا لم تفشل المائدة لأن المدعوين اختلفوا حول الأسماء.
فشلت لأن الجميع دخل القاعة وهو يحمل قائمة بمن يجب أن يبقى خارجها.
وهكذا انتصر الإقصاء مرة أخرى…
وخسر السودان فرصة جديدة للسلام.








