إسماعيل شريف يكتب: قضية رشان أوشي بين دولة القانون… وقانون الدولة

 

قضية رشان أوشي بين دولة القانون… وقانون الدولة

اسماعيل شريف

في الدول التي تبحث عن الاستقرار الحقيقي، لا يمكن بناء العدالة على الهتاف، ولا حماية الحريات عبر الفوضى. فالدولة الحديثة تقوم على مبدأ بسيط لكنه شديد التعقيد في التطبيق الجميع يخضع للقانون، والجميع كذلك يستحق الحماية من تعسف السلطة أو إساءة استخدام القانون نفسه.
لهذا تبدو قضية الصحفية رشان أوشي واحدة من القضايا التي تتجاوز شخص المتهمة أو الشاكي، لتطرح سؤالاً أكبر يتعلق بطبيعة الدولة التي يريدها السودانيون هل نحن أمام انتصار لدولة القانون؟ أم أمام توظيف لقانون الدولة؟
بحسب الوقائع المتداولة، فإن القضية بدأت بمقال صحفي تناول اتهامات تتعلق بأحد أفراد الشرطة العاملين بسفارة السودان في القاهرة. الرجل وفق رواية دفاعه تضرر اجتماعياً ووظيفياً وأسرياً بسبب ما نُشر، فلجأ إلى القضاء عبر بلاغ تحت مواد جرائم المعلوماتية. وحتى هذه اللحظة، فإن مجرد لجوئه للمحكمة لا يمكن اعتباره خطأ أو عداءً للصحافة، بل هو حق قانوني مكفول لأي مواطن يرى أن سمعته تعرضت للتشهير أو الضرر.

في المقابل، فإن الصحفي أيضاً يملك الحق الكامل في النشر وكشف الفساد والانحرافات، بل إن ذلك جزء أصيل من وظيفة الصحافة ودورها الرقابي في المجتمع. لكن هذا الحق يظل مرتبطاً بشرط أساسي وهو القدرة على الإثبات. فالفارق بين الصحافة الاستقصائية والاتهام المجاني، هو المستند والدليل والقدرة على الصمود أمام القضاء.
القاضي بحسب ما يتردد منح المتهمة فرصاً متعددة لتقديم ما يدعم ما نشرته، لكن المحكمة لم تجد ما يكفي لإسناد الاتهامات. وهنا انتقل الملف من ساحة الرأي العام إلى ساحة القانون، حيث لا تكفي القناعة الشخصية ولا الضجيج الإسفيري ولا الاصطفاف السياسي لإدانة الناس.

الكثيرون تعاملوا مع الحكم بعاطفة حادة. بعضهم اعتبره انتصاراً ساحقاً للقضاء وهيبة الدولة، وآخرون رأوه تهديداً مباشراً لحرية الصحافة. لكن الحقيقة أن المسألة أكثر تعقيداً من هذا الاستقطاب الثنائي.
فمن جهة لا يمكن الدفاع عن حق أي صحفي في تدمير السمعة الشخصية أو المهنية للناس دون أدلة كافية. الكلمات ليست طلقات هواء، والمقالات ليست مجرد آراء عابرة أحياناً يكفي منشور واحد لإسقاط أسرة كاملة في دوائر الشك والنبذ وفقدان الوظيفة. ولهذا وُجدت قوانين النشر والتشهير في كل دول العالم، حتى تلك التي تُعد نموذجاً لحرية الصحافة.

لكن من الجهة الأخرى، يبقى السؤال مشروعاً هل العقوبات السالبة للحرية هي الطريق الأمثل لمعالجة أخطاء النشر؟ أم أن الغرامات والتعويضات المدنية أكثر اتساقاً مع فلسفة حرية التعبير؟
هذا سؤال قد يختلف حوله القانونيون والحقوقيون، لكنه نقاش مشروع لا يعني بالضرورة الطعن في القضاء أو التقليل من هيبة المحكمة. فاحترام الأحكام القضائية لا يلغي حق المجتمع في مناقشة القوانين نفسها، ومدى ملاءمتها لواقع الحريات والتحولات السياسية.
كما أن هناك زاوية أخرى لا تقل أهمية وهي هل تضرر الشرطي بسبب المقال وحده؟ أم أن مؤسسته أجرت تحقيقات داخلية مستقلة انتهت إلى إجراءات إدارية؟ وهل فُصل فعلاً أم غادر الخدمة بإرادته؟ هذه التفاصيل ليست هامشية، لأنها تحدد حجم العلاقة بين النشر الصحفي والنتائج التي ترتبت عليه.

في كل الأحوال فإن القضية تكشف أزمة أعمق داخل المجال العام السوداني حيث اختلطت الصحافة أحياناً بالاستقطاب السياسي، وتحولت بعض المنصات إلى ساحات تصفية حسابات، بينما فقد قطاع من الجمهور القدرة على التفريق بين المعلومة الموثقة والانطباعات الشخصية.

في المقابل، هناك أيضاً من يريد استخدام أي خطأ صحفي كذريعة لإخافة الأقلام وإعادة إنتاج الرقابة عبر المحاكم.
لهذا فإن القضية في جوهرها، ليست معركة بين صحفية وشرطي، ولا بين مؤيدين ومعارضين، بل اختبار حقيقي لفكرة الدولة نفسها دولة القانون لا تعني فقط معاقبة المخطئ، بل تعني أيضاً حماية الحق في النقد، وضمان المحاكمة العادلة، ومنع الانتقائية، وإبعاد القضاء عن معارك الكراهية والاستقطاب.
فالعدالة الحقيقية لا تُقاس بحجم العقوبة وحدها، وإنما بمدى اطمئنان المجتمع إلى أن القانون يُطبق على الجميع دون خوف أو انتقام أو توظيف سياسي.

في النهاية، لا رشان أوشي ولا غيرها فوق سلطة القضاء لكن القضاء نفسه يظل أكثر قوة وهيبة حين يشعر الناس أنه حارس للحقوق والحريات معاً لا مجرد أداة للعقاب.

مدير الموقع

مدير الموقع

المقالات: 216
الرئيسية
عاجل
فيسبوك
واتساب
يوتيوب